04 أبريل, 2011

إلى من يهمه أمن هذا البلد واستقراره

أراقب الأحداث من بعيد، ولست أملك سوى مشاركة الآلاف من المواطنين غضبهم المشروع من الأحداث المؤلمة التي جرت في يوم الأربعاء المشؤوم، لكن سأحاول من خلال هذا المقال القصير أن أركن الغضب جانباً كي أقدم تصوراً مبدئيا لأهم الخطوات التي ينبغي اتخاذها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. أولى هذه الخطوات التأكيد على أهمية الحفاظ على مسند الإمارة والنأي به عن المناكفات السياسية التي تشهدها الساحة المحلية، لذا ليس من المقبول الصمت إزاء ما يحدث، فأمن البلد واستقراره أهم من المصالح الذاتية والمكاسب السياسية. إن الاستمرار في إقحام المقام السامي في الصراع السياسي (بوعي أو من دونه) قد يؤدي إلى آثار خطيرة، أهمها: 1- استحالة الاعتراض المشروع على سياسات الحكومة من دون الوقوع في محظور المادة (54) من الدستور، وفي هذه المسألة تقويض واضح للنظام شبه الديمقراطي في الكويت، إن لم يكن فيها أيضاً استنساخ للنموذج القمعي في دول مجاورة. 2- تهافت شعارات دولة المؤسسات وحقوق الإنسان والمجتمع المدني، إذ لا يمكن التعامل بجدية مع هذه الشعارات في ظل استخدام الهراوة لفرض هيبة النظام. 3- احتمال انتقال المعارضة السياسية إلى الخارج، ومع أن هذا المسألة لا تعد سابقة في تاريخ الكويت السياسي، فإن تداعيات مثل هذا الاحتمال ستكون وخيمة بالنسبة لاستقرار البلد، خصوصاً في ظل وجود أطماع خارجية من جهة، وتطور وسائل الاتصال من جهة أخرى. على ضوء ما تقدم، أرجو أن تعي الحكومة وأنصارها خطورة استخدام ورقة 'مسند الإمارة' في الاستجواب القادم! نعم، قد تحمي مثل هذه الورقة الحكومة من السقوط، لكنها ستضع إسفينا بين الشعب والنظام! ينبغي الاعتراف أنني لست متفائلاً حول هذه النقطة تحديداً، إذ يبدو واضحاً أن من السذاجة الاعتماد على الحس السياسي لوزراء مازالوا متمسكين بمناصبهم بالرغم من كل شيء! نأتي الآن إلى بقية الخطوات الضرورية التي ينبغي اتخاذها لنزع فتيل الأزمة: 1- وقف الندوات الجماهيرية بأشكالها كافة حتى إشعار آخر، فالوقت ليس وقت مزايدات أو تكسب انتخابي رخيص، سواء كان هذا التكسب من خلال تحدي السلطة أو التزلف إليها! 2- سنّ قانون واضح وصريح لتجريم كل خطاب سياسي يدعو إلى الكراهية أو التمييز بين المواطنين، والأهم من ذلك تطبيق مثل هذا القانون! 3- إجراء تحقيق فوري حول ما جرى من اعتداءات على المواطنين العزّل وبعض نواب الأمة، ومحاسبة كل المسؤولين (المباشرين) عن إهدار كرامة الشعب. لا شك أن هناك أيضا خطوات ضرورية أخرى، لكن الأحداث تتسارع بطريقة لا تتيح التفكير بهدوء لما ينبغي اتخاذه، لذا أرجو من كل من يهمه أمن هذا البلد واستقراره ألّا يبخل في إبداء رأيه حول ما يبغي عمله في مثل هذه الظروف الصعبة. أخيرا، لا أريد أن أختم هذا المقال من دون أن أسجل غضبي المشروع مما حدث في ديوان النائب المحترم 'جمعان الحربش'، خصوصاً مع وجود بعض الأقلام الصحفية التي مازالت تصر على التبرير الفج لما تعرّض له الدكتور المحترم عبيد الوسمي! في هذه الفترة الحرجة، وفي ظل هذا الغضب الشعبي العارم، سأكتفي فقط بهذا القدر، لكن سيأتي الوقت المناسب للحديث بالتفصيل حول هذا الموضوع... لست أعتب كثيراً على أقلام التبرير الفج لإهدار كرامة الدكتور الوسمي، ذلك أن كل الأخلاق النبيلة مجرد صفات مكتسبة، نستقيها من خلال التربية والتعليم، إلا الإحساس الذاتي بالكرامة، فإما أن تملك هذا الإحساس، وإما لا تملكه أبداً!

20 أبريل, 2010

أسرة الحكم والخصخصة

لنبدأ بحقيقة يعرفها الجميع تقريباً، وهي أن مشروع قانون الخصخصة ظل حبيس الأدراج لسنوات طويلة، ولم تبدِ الحكومات التي تعاقبت طوال تلك الفترة أي رغبة حقيقية في دعم هذا المشروع، وقد ظلت بعض الصحف المحلية لسنوات عديدة تهاجم بعنف أصحاب القرار في الحكومات المتتالية لتقاعسهم في تبني مشروع قانون الخصخصة. بطبيعة الحال، لم يكن التقاعس الحكومي في دعم المشروع قراراً اعتباطياً، بل كان على العكس من ذلك قراراً مدورساً بدقة، فالأسرة الحاكمة تدرك جيدا أن انتقال الملكية يعني انتقال السلطة، مما يدفعنا إلى أن نتساءل: ما الذي تغيّر كي تقف الحكومة الآن بقوة مع قانون الخصخصة؟
هناك بطبيعة الحال ما يسمى بـ'خطة التنمية' ذات الأرقام الفلكية، ومن الطبيعي أن تلجأ الحكومة إلى الخصخصة إن هي أرادت نجاح الخطة حسب زعم بعض مؤيدي توجهات الحكومة الحالية، لكن هذه الحجة لا تقدم جوابا عن السؤال المطروح، بل إنها تجعل السؤال ذاته أكثر إلحاحا: ما الذي يدفع الأسرة الحاكمة إلى الوقوف مع خطة اقتصادية تتضمن تنازلاً عن جزء كبير من سلطتها السياسية؟
أقصر طريق للإجابة هو أن نفحص حقيقة ما يتضمنه السؤال نفسه، فالقول بأن انتقال الملكية يعني انتقال السلطة قول صحيح، نظرياً على الأقل، لكن هل في دعم الأسرة الحاكمة لمشروع الخصخصة تهديد فعلي لسلطتها السياسية، خصوصا إذا علمنا أن هناك من بين أبناء الأسرة ممن ينتمون إلى نادي كبار التجار ورجال الأعمال؟ في ظل تغاضي الأسرة الحاكمة عن الخط التاريخي الفاصل بين الحكم والتجارة في الكويت، لا تبدو مشاريع الخصخصة مخيفة بالنسبة لأسرة الحكم.
لكن هذه الإجابة لا تبدو كافية لسببين على الأقل: الأول، هو أن عدم احترام الفصل بين الحكم والتجارة يرجع تاريخه إلى سنوات طويلة، لذا فهو لا يفسر التغير الطارئ في سياسة الأسرة الحاكمة تجاه موضوع الخصخصة. أما السبب الثاني فيشير إلى حقيقة بديهية، وهي أن شريحة التجار لا تقتصر فقط على بعض أبناء الأسرة الحاكمة، مما يعني أن الخصخصة تؤدي، على الأقل، إلى تقاسم للسلطة السياسية بين أسرة الحكم وطبقة تجارية محدودة العدد.
هذا يدفعنا إلى إعادة صياغة السؤال المطروح على النحو التالي: ما الذي تغيّر كي تلجأ الأسرة الحاكمة إلى خيار التقاسم الفعلي للسلطة مع شريحة تجارية محدودة؟ العلاقة بين أسرة الحكم والتجّار علاقة اتسمت بمد وجزر منذ نشأتها، لكنها بدأت في ظل العهد الجديد تتخذ طابعاً فريداً من الثقة المتبادلة، ولعل الحسنة الوحيدة لزيارة وفد ما يسمى بـ'مجموعة 26' إلى سمو الأمير هي أنها أتاحت لنا، على الأقل، تحديد الجهة التي تشير إليها بوصلة القصر، خصوصاً مع التصريحات التي أعقبت تلك الزيارة، والتي أشارت بشكل واضح إلى رفض موضوع القروض وتأييد المشاريع الاقتصادية الكبرى.
سبق أن أشرت في مقال سابق أن الأسرة الحاكمة نجحت طوال العقود الماضية في استغلال موارد النفط في ضم شرائح المجتمع كافة تحت عباءة إرادتها السياسية، لكن يبدو أن تنامي شوكة ما يسمى بـ'المعارضة الجديدة' أدى إلى إعادة النظر في جدوى هذه الاستراتيجية، خصوصا مع اضمحلال 'دولة الرفاه' الذي أدى بدوره إلى ارتفاع حدة الشعارات المطالبة بتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية.
تسويق مشروع قانون الخصخصة يأتي عادة بوصفه منظومة متكاملة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل ورفع مستوى الكفاءة وتحسين الجودة، ويبدو أن القطاع الخاص نجح في إقناع الرأي العام بأن الخصخصة لم تعد مجرد خيار مطروح بل ضرورة حتمية! في دراسة حديثة نسبيا لتجربة الخصخصة في بريطانيا منذ ثمانينيات القرن الماضي، كان الاستنتاج الوحيد الذي توصلت إليه الدراسة هو أن أغلب محاسن الخصخصة التي تم الإعلان عنها قبل التخصيص لم تتحقق على أرض الواقع، بينما جاءت مضار الخصخصة واضحة لا لبس فيها، أهمها هو اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء (انظر The Impact of Privatisation، لندن، 1997).
أخيراً، لست أرى في وقوف الأسرة الحاكمة مع مشروع الخصخصة سوى تعبير عن خيار استراتيجي في إعادة تشكيل خارطة التحالفات القديمة، ولست أرى في الاكتساح الساحق للمشروع في مداولته الأولى سوى بداية انتقال فعلي للسلطة من نوّاب البرلمان إلى رجال الأعمال، لكن حتى هذه النقطة لست متأكداً تماماً منها، لأن أغلب نواب البرلمان يمكن تصنيفهم ضمن رجال الأعمال! الشيء المؤكد هو أن الخصخصة ستقضي تدريجياً على ما تبقى من النظام شبه الديمقراطي في الكويت.

11 يناير, 2010

المعارضة السياسية بين الأمس واليوم

في مقال تحت عنوان 'لا تخطئوا قراءة الأندلس والعقيلة'، طالب الكاتب أحمد الديين كبار المسؤولين في الدولة بضرورة إدراك الرسائل الضمنية التي عبّر عنها التجمع الجماهيري الحاشد بقيادة عدد من أعضاء البرلمان وممثلين عن التيارات السياسية المختلفة، ومن بين تلك الرسائل التي ذكرها الأستاذ الديين هاتان الرسالتان: الأولى، هي 'أنّ مركز الثقل والحراك السياسي في المجتمع الكويتي انتقل واقعياً إلى المناطق ذات التركيب القبلي، ولم يعد محصوراً في نطاق مدينة الكويت وضواحيها'، والرسالة الثانية هي 'أنّ دستور 1962 رسخ تماماً في ضمير الأمة واستقر بوصفه خطاً أحمر غير قابل للعبث به'. يبدو أن الكاتب الديين يرى في معارضة اليوم امتداداً لمعارضة الأمس، وبالنظر إلى ما قيل في الاحتفال التاريخي الذي أقامته 'دار قرطاس' بمناسبة الذكرى السبعين لأحداث المجلس التشريعي والذكرى السابعة والأربعين لإصدار الدستور، يمكن القول إن هذا الرأي هو السائد بين أوساط المهتمين بالشأن السياسي، لكن ما مدى صحة هذا الرأي؟

معارضة الأمس كانت معارضة الفئة الواحدة، وهي فئة مكونة من طبقة برجوازية على قدر عال من الحس الجماعي بطبيعة مصالحها التجارية وسبل تحقيقها، كما امتازت أيضاً بالقدرة على التنظيم وانتهاز الفرص في المشاركة في صنع القرار السياسي، بدءاً من الاستفادة من دورها في اختيار وريث الإمارة لتأسيس مجلس للشورى في عام 1921، مروراً باستغلال نفوذها الاقتصادي في التفاوض مع الأسرة الحاكمة على مسوّدة دستور 1939، وانتهاء بقبولها القسري للحد الأدنى من الديمقراطية والمتمثل في دستور 1962.

لقد حرصت معارضة الأمس على تأسيس البنية التحتية اللازمة لقيام مجتمع رأسمالي، وذلك من خلال سن التشريعات المتعلقة بتنظيم شؤون الميزانية والقضاء والأمن، وبناء الطرق والمدارس والمستشفيات، ثم عملت بعد ذلك على تنظيم القوانين المرتبطة بالاحتكارات التجارية، وقد نجحت إلى حد كبير في تحقيق مصالح الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها، وساهم في هذا النجاح سيطرتها الكاملة على قوى الإنتاج، مما أكسبها قدرة فائقة على التفاوض مع الأسرة الحاكمة حول المشاركة في صنع القرار السياسي.

بعد ظهور النفط وبداية تدفق الإيرادات النفطية، فقدت الطبقة التجارية الكثير من قدرتها التفاوضية مع الأسرة الحاكمة حول شؤون الحكم، فالأدوار تبدّلت بعد أن 'أصبح التجّار مجرد زبائن عند الدولة'، على حد تعبير الدكتور غانم النجّار في مقابلة أجرتها معه الباحثة 'ميري آن تترولت' (انظر بحثها الذي حمل عنوان Autonomy, Necessity, and the Small State، صفحة 578)، ومن مظاهر ضعف القدرة التفاوضية عند الطبقة التجارية تقلّص سقف المطالبة بمشاركة الأسرة الحاكمة في اتخاذ القرار السياسي، ويكفي عقد مقارنة بسيطة بين مسودة دستور 1939 ودستور 1962 للتعرف على حجم التراجع في سقف المطالب السياسية لمعارضة الأمس!

من هنا فإن القول بأن معارضة اليوم ليست سوى امتداد لمعارضة الأمس يفترض وجود تطابق بين مصالح شريحتين اجتماعيتين، إحداها تعتمد على الدولة في الحصول على راتبها الشهري، والآخرى تعتمد على الدولة في الحصول على أكبر عدد ممكن من المناقصات والعقود التجارية، وهو افتراض ينافي الواقع، بل إن ما يجمع هاتين الشريحتين الاجتماعيتين يقتصر تحديداً على هذا الاعتماد السلبي على الدولة، وقد نجحت الأسرة الحاكمة في استغلال موارد النفط في ضم شرائح المجتمع كافة تحت عباءة إرادتها السياسية!

تبقى هناك أسئلة قد نتطرق إليها في مقالات لاحقة، منها على سبيل المثال: هل من الضروري أن تقف معارضة اليوم عند الحد الأدنى من الديمقراطية، خصوصا أنها غير معنية بضعف القدرة التفاوضية لمعارضة الأمس؟ أليس من الحكمة أن تبدأ المعارضة الحالية في تبنّي هدف استراتيجي يتمثل في زيادة سقف المشاركة في القرار السياسي، ثم تعمد بعد ذلك إلى تحقيق هذا الهدف من خلال المطالبة بقوانين تنظم العمل السياسي؟ والأهم من ذلك كله، هل تنجح المعارضة الحالية في توحيد صفوفها من خلال إدراك طبيعة الصراع الطبقي الكامن خلف معظم الخلافات السياسية، أم أنها ستستمر في الانشغال في توافه الأمور؟!

04 يناير, 2010

حول طبيعة القرار الديمقراطي

القرار الديمقراطي يشير إلى قرار يتم التوصل إليه عن طريق إجراء عملية تصويت ومن ثمّ اعتماد رأي الأغلبية. هذا التعريف البسيط يقودنا إلى طرح تساؤلين حول طبيعة القرار الديمقراطي: أولا، هل ينبغي اتخاذ كل قرار في حياتنا بطريقة ديمقراطية؟ ثانيا، هل من الضروري أن يكون القرار الديمقراطي قرارا صحيحا؟ للإجابة عن مثل هذه التساؤلات، دعنا نلق نظرة على المثال التالي:
أثناء رحلة جوية، يكتشف قائد الطائرة وجود عطل فني، ولكونه إنسانا ديمقراطيا قلبا وقالبا، يلجأ قائد الطائرة إلى الرّكاب مقترحا عليهم التصويت على مصير الرحلة، حيث يطلب منهم أن يختاروا بين أمرين: إما الهبوط الاضطراري، وإما الاستمرار في الرحلة!
هذا المثال الطريف نجده في الأدبيات التي تتناول موضوع النظرية السياسية، ويأتي عادة في سياق التدليل على حقيقة أن القرار الديمقراطي قد لا يتناسب مع كل شؤون الحياة، فهناك أمور لا ينبغي أن تخضع لمبدأ الديمقراطية. لو نظرنا إلى هذا المثال مرّة أخرى، فسنرى بوضوح أن قائد الطائرة ارتكب خطأ فادحا في لجوئه إلى عملية التصويت على مصير الرحلة، ولعل سلوكه الديمقراطي يخفي في طياته فشلا ذريعا في تحمّل المسؤولية!
لكن إلى جانب الفشل في تحمّل المسؤولية، ما الذي يدفع قائد الطائرة إلى عملية التصويت على تقرير مصير الرحلة؟ ربما اعتقد قائد الطائرة أن القرار الذي يتم اتخاذه بطريقة ديمقراطية يكون أقرب إلى الصواب، ولكن هذه مغالطة تعرف باسم «المغالطة الديمقراطية»، ذلك أنه ليس من الضروري أن يكون القرار الديمقراطي قرارا سليما. لا جدال في أن القرار الديمقراطي كان وراء مقتل «سقراط»، وحرق «برونو»، ووصول «هتلر» و«موسوليني» إلى السلطة، لكن من العسير القول إن مثل هذه الأحداث المؤسفة تعبّر عن قرارات سليمة!
إذا أردنا أن نزيد من فرصة أن يكون القرار الديمقراطي قرارا صائبا، فلا بدّ من ضمان وجود أغلبية واعية ومدركة تماما لطبيعة الموضوع الخاضع لعملية التصويت. لتوضيح هذه النقطة، بإمكاننا أن نجري تعديلا طفيفا على المثال أعلاه، بحيث نفترض أن جميع ركّاب الطائرة عبارة عن أشخاص متخصصين في هندسة الطيران، وفي ظل هذا الافتراض لن يكون بوسعنا إلقاء اللوم على قائد الطائرة لو لجأ إلى عملية التصويت، ذلك أن من المحتمل جدا في هذه الحالة أن يكون رأي الأغلبية من الرّكاب رأيا صائبا!
على ضوء ما تقدّم، يصبح من المنطقي القول إن نجاح الديمقراطية في أي مجتمع بشري يعتمد على أمرين: الأمر الأول، هو اتفاق أفراد المجتمع الواحد على طبيعة المسائل التي من الممكن إخضاعها إلى عملية التصويت واتخاذ قرار ديمقراطي بشأنها، والأمر الثاني، هو العمل على تأسيس أغلبية واعية ومدركة لمبادئ النظام الديمقراطي.
لو نظرنا إلى الممارسة شبه الديمقراطية في الكويت، فسنلاحظ إخفاقا في كلا الأمرين، فعلى الرغم من التزام الحكومة الكويتية بمواثيق دولية تكفل حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، فإن البرلمان الكويتي لم يتورع عن إخضاع مثل هذه الحقوق الأساسية لعملية التصويت، وبالرغم من انخفاض نسبة الأمية في الكويت، فإن الأغلبية العظمى من الشعب مازالت جاهلة بأبسط مبادئ الديمقراطية، ومن المؤسف أن يكون من بينهم كتّاب وأساتذة ومتخصصون في الشأن العام!
ملاحظة هامشية: هناك مبدأ بسيط غاب عن بعض الكتّاب والمتخصصين في الشأن السياسي، ممن تصدوّا للدفاع عن صاحب قناة «السور» بحجة الذود عن حرية التعبير، والمبدأ ينص على التالي: لا تسامح مع اللاتسامح! أخشى أن يكون النفس العنصري وراء عدم قدرة أولئك الكتّاب على التمييز بين خطاب يحمل وجهة نظر، وخطاب مليء بالكراهية والعنصرية والإقصاء لشريحة كبيرة من أفراد المجتمع!

23 ديسمبر, 2009

أو أن يحل مجلس الأمة

كل الأحداث الموضوعية المهمة تعقبها عادة أحداث مفتعلة وهامشية، وهذا تكنيك قديم تلجأ إليه السلطة السياسية لصرف الأنظار عمّا هو جوهري وإشغال الرأي العام بأمور ثانوية. شهدت الحياة السياسية في الآونة الأخيرة تداعيات استجواب سمو رئيس مجلس الوزراء، وبالرغم من اتفاق الجميع على أهمية هذا التطور السياسي بوصفه حدثا سياسيا غير مسبوق في تاريخ الحياة البرلمانية، فإن الأغلبية العظمى- مع الأسف الشديد- مازالت منشغلة بأمور جانبية وصراعات رجعية، والضوضاء مازالت تملأ المكان، فبين مسيرة مبتذلة على ساحل البحر احتفالا بانتصار مزعوم، قادها أناس لا يخجلون من تملّق السلطة، وبين مسيرة غاضبة على الدائري الخامس احتجاجا على قضية مفتعلة واستفزازية، ساهم فيها أناس لا يتورعون عن التكسب الانتخابي الرخيص، ضاعت الفرصة في محاولة التفكير بهدوء في أهم حدث سياسي في تاريخ الكويت. هذا المقال عبارة عن دعوة إلى الهدوء والرجوع من جديد إلى موضوع الاستجواب.
عبّر المستشار شفيق إمام في مقال له هنا في «الجريدة» عن دهشته من «تقديم ثلاثة استجوابات إلى ثلاثة من الوزراء، بعد أن قُدّم الاستجواب الموجه من النائب فيصل المسلم إلى سمو رئيس مجلس الوزراء»، وبيّن المستشار الفاضل سبب دهشته بقوله: إن «الملاءمات الدستورية كانت تقتضي، بعد تقديم استجواب إلى رئيس مجلس الوزراء، أن يتريث النواب الذين قدموا استجواباتهم إلى الوزراء الثلاثة، حتى ينتهي مجلس الأمة من نظر الاستجواب الموجه إلى رئيس مجلس الوزراء ومناقشته وإصدار قراره فيه». في ظنّي أن دهشة المستشار الفاضل ستختفي من تلقاء نفسها لو علِم أن الملاءمات «الانتخابية» تقتضي أيضا أن يتسابق بعض النوّاب في تقديم الاستجوابات حينما يتم التلويح بورقة حلّ المجلس، وهو خيار مفتوح نصّت عليه المادة (102) من الدستور.
هذا الخيار المفتوح في حلّ المجلس يقف أيضا وراء أحداث أخرى صاحبت استجواب رئيس الحكومة، منها توقيع عريضة من قبل أكثر من ثلاثين نائبا للتأكيد على الرفض المسبق لطلب عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، ونجاح الحكومة في الحصول على أغلبية برلمانية مريحة في التصويت على طلب عدم التعاون مع رئيس الحكومة. هذا يعني أن شبح حلّ المجلس يفرز ظاهرتين متنافرتين: الأولى، هي التصادم غير الموضوعي مع الحكومة لزيادة فرصة النجاح في الانتخابات التي تعقب الحلّ الدستوري، والثانية، هي التضامن غير الموضوعي مع الحكومة لضمان استمرار المجلس وعدم الرجوع من جديد إلى صناديق الاقتراع.
لست أدري ما إذا كان النائب الفاضل «علي الراشد» مستمرّا في تشاؤمه من فرصة بقاء مجلس الأمة الحالي، ولكن من الصعب إنكار دور النائب الفاضل في حشد أغلبية برلمانية مريحة في صف الحكومة من خلال التصريحات المتشائمة والمكررة التي أدلى بها حول مصير المجلس طوال الفترة التي سبقت موعد الاستجواب! يشتكي النائب الراشد من التعسف النيابي في استخدام أداة الاستجواب، لكن ألا يحق لنا أيضا كشعب أن نشتكي من التعسف النيابي-الحكومي في استخدام المادة (102) للتخويف من شبح حلّ المجلس؟
هناك حلّ بسيط للقضاء على ممارسة التعسف من كلا الجانبين، وهو أن يتم إعادة النظر في المادة (102) من الدستور، وتحديداً في الفقرة التي تقول: «أو أن يحل مجلس الأمة». إذا استمرّت هذه المادة بشكلها الحالي، فإن الحكومة ستظل دوما على موعد مع تصادم مفتعل من جهة، وتضامن مبتذل من جهة أخرى!

14 ديسمبر, 2009

هل تنجح مناورة علي الراشد؟

إذا صرفنا النظر عن التفاصيل التافهة للمواجهات الأخيرة بين البرلمان والحكومة، فإن من العدل القول إن هناك مؤشرات إيجابية على وجود حراك سياسي غير مسبوق في تاريخ الكويت، بدءاً من وجود حملة شعبية تطالب برحيل رئيس الحكومة، مروراً بصعود الرئيس إلى منصة الاستجواب، وانتهاءً بتقديم مجموعة من أعضاء البرلمان لكتاب 'عدم التعاون' مع رئيس مجلس الوزراء.
الاستفادة المثلى من هذا الحراك السياسي تتطلب جهداً شعبياً إضافياً في اتجاه تفعيل المادة (175) من الدستور لاستكمال الممارسة الديمقراطية، وهذا يعني تعديلاً للدستور في اتجاه توسيع سلطة البرلمان وتقليص سلطة الحكومة، والمطالبة الجادة برئيس وزراء شعبي غير محصن اجتماعياً من المساءلة السياسية العلنية، وإعادة النظر في المادة (102) من الدستور لما تتضمنه من إجحاف في حق الشعب وممثليه، فهي تطرح خياراً مفتوحاً لمعاقبة أعضاء البرلمان من خلال حل المجلس في حال قرر أعضاء البرلمان عدم التعاون مع رئيس الوزراء!
على ضوء ما تقدم، لا يمكنني فهم التصريحات الأخيرة للنائب الفاضل علي الراشد إلا بوصفها مجرد مناورة لتفويت الفرصة في استكمال الممارسة الديمقراطية، فالنائب المحترم يسير في الاتجاه المضاد بشكل واضح، وهو يكرر محاولات قديمة لتقليص سلطة الشعب وتوسيع سلطة القصر، ومن ضمن تلك المحاولات ما ذكره الأستاذ 'عبدالله بشارة' في إحدى الصحف المحلية قبل بضع سنوات، حيث قال إن 'الدستور وفّر للنظام الشرعية التاريخية لكن لم يوفر له الأغلبية التي تسانده في الحكم'، فحسب رأيه مأزق الحكم يكمن في أن الحكومة لا تمتلك الأغلبية البرلمانية التي تؤمّن لها حق التشريع!
قد نلتمس العذر للأستاذ 'عبدالله بشارة' لأسباب عديدة، لكن ما عذر النائب المحترم علي الراشد في ترديد مثل هذه المغالطات؟ إذا أرادت الحكومة أن تكون لها أغلبية برلمانية فعليها أولا أن تسلك الطريق الذي سلكه أعضاء البرلمان للوصول إلى البرلمان! بمعنى آخر أكثر وضوحا، إذا أرادت الحكومة أن تتمتع بأغلبية نيابية، فعليها أولا أن تقبل بشرط اختيارها من قبل الشعب مثلما هي الحال مع أعضاء البرلمان. ثم ما حاجة الحكومة إلى أغلبية برلمانية، وهي التي دأبت على تمرير مشاريعها من خلال أقلية برلمانية منتخبة لا تتجاوز السبعة عشر عضواً؟! لكن يبدو أن هذا لا يكفي في نظر السيد علي الراشد، فهو يرغب في مضاعفة تراكم السلطة السياسية لدى الحكومة عن طريق مطالبته السماح بتصويت الوزراء على موضوع طرح الثقة بأحد الوزراء أو موضوع عدم التعاون مع رئيس الوزراء!
أرجو ألا نساهم في إنجاح مناورة علي الراشد عن طريق الرفض المطلق لتعديل الدستور، فالدستور نفسه ينفي عن نفسه صفة الكمال المطلق والقدسية الزائفة، ويتيح لنا تطويره مع توصية حكيمة تضمنتها المادة (175)، واليوم هناك حراك سياسي-اجتماعي يدفع في اتجاه هذا النوع من التعديل. إذا اختار النائب الفاضل علي الراشد وغيره من النواب السير في اتجاه تقليص الممارسة الديمقراطية، فعلينا أن نسير في الاتجاه المعاكس الذي يهدف إلى توسيع هذه الممارسة، لا أن نستمر في التخندق التقليدي للدفاع عن الدستور الحالي وتعطيل مقومات التطور السياسي في هذا البلد!

08 ديسمبر, 2009

(1+ 1= 2)

1+1= 2 هي بوّابة الدخول إلى علم الرياضيات، فهي أول قصة نحكيها للأطفال عندما نصطحبهم في جولة للتعرف على عالم مليء بالأرقام والرموز، ومثل كل القصص، هناك أكثر من طريقة لسردها، فتارة نقول إن 'تفاحة + تفاحة= تفاحتين'، وتارة أخرى نستبدل التفاح بنوع آخر من الفاكهة، لكن الطفل يدرك مع الوقت أن العبرة من كل هذه الطرق المختلفة في سرد القصة هي أن 1+1= 2، فهنا يكمن مغزى القصة، سواء أشار العدد 1 إلى تفاحة أو إلى أي شيء آخر!

هي معادلة رياضية سهلة، لكنها ساحرة، وعلامة سحرها تكمن في تلك الدهشة التي ترتسم على وجوه الأطفال عندما يكتشفون أن 1+1= 2. يقول الشاعر الإنكليزي 'ريتشارد هاريسون':

'مازلت أتذكر أول مرة بدأت فيها بتعليم طفلي الصغير هذه المعادلة. أتذكر، مثلا، كيف كان يشير بإصبع واحد في كفه اليمنى، ثم يشير بإصبع آخر في كفه اليسرى، وبعد ذلك تأتي لحظة الاندهاش، إنها لحظة فلسفية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، إنها اللحظة التي يكتشف فيها طفلي أنه بالرغم من انفصال الإصبعين من حيث المكان، فإنهما متحدّان في مفهوم واحد داخل الذهن: إنه العدد 2' (انظر كتاب The Great Equations، لمؤلفه 'روبرت كريز').

هي أيضا معادلة رياضية بسيطة، لكنها عظيمة، ودليل عظمتها هو أنها اختيرت ضمن أعظم عشر معادلات رياضية حسب نتائج استفتاء قامت به مجلة 'عالم الفيزياء' (انظر صحيفة 'الغارديان' البريطانية، عدد 6 أكتوبر 2004). هي أيضا معادلة عظيمة لسبب آخر، فمن خلالها نلج عالماً لامتناهياً من الأرقام، إذ يكفي فقط أن نضيف العدد 1 إلى المجموع لنحصل على العدد الذي يليه، ثم نعيد الكرّة إلى ما لا نهاية! قد يدرك بعض الأطفال هذه الحقيقة من حيث لا يعلمون، وأذكر مرة أني أشرت بإصبع السبابة لأسأل أحد الأطفال من أقاربي: كم هذا؟ فأجابني: 'واحد'، ثم أضفت إصبعا آخر وكررت السؤال، فأجابني: 'اثنان'، ثم أضفت من جديد إصبعا إلى الإصبعين لأسأله: وكم هذا؟ نظر إليّ مليّا ثم أجاب: 'هذا كثير'!

عندما نودّع عالم الطفولة، فإننا نودّع أيضا لحظات الاندهاش الأولى، ومن ضمنها تلك التي تشير إلى أن 1+1= 2. لم نعد نشعر بسحر هذه المعادلة وعظمتها، فهي تبدو بديهية إلى درجة أننا نشير إليها في أحاديثنا للدلالة على بساطة أي فكرة لا تستوجب شرحاً أو توضيحاً! لكن ما الذي يجعلنا واثقين من أنفسنا إلى هذا الحد؟ بمعنى آخر، من أين نستمد هذه الثقة المطلقة في صحة المعادلة التي تقول إن 1+1= 2؟ جزء من الإجابة عن هذا السؤال مرتبط بقدرتنا على التفريق بين نوعين من الجُمل. لننظر، مثلاً، إلى الجملتين التاليتين:

1- درجة غليان الماء تساوي 100 درجة.

2- مجموع زوايا المثلث المرسوم على سطح مستوٍ يساوي 180 درجة.

للتأكد من صحة الجملة الأولى، نستعين بإجراء تجربة لنرى ما إذا كان الماء يغلي فعلاً حين تصل حرارته إلى 100 درجة، لكن التأكد من صحة الجملة الثانية لا يستدعي الاستعانة بأي تجربة، فنحن لا نقوم بقياس زوايا كل المثلثات لإثبات أن مجموع زوايا المثلث يساوي دائما 180 درجة (باسثناء الهندسة اللاإقليدية)، بل يكفي فقط أن نحصل على تعريف محدد لكلمة 'مثلث' كي نقوم باستخلاص كل خصائص المثلثات من خلال برهان رياضي!

الجزء الآخر من الإجابة عن سؤالنا السابق مرتبط بقدرتنا على التفريق بين نوعين آخرين من الجُمل. لننظر من جديد إلى الجملتين التاليتين:

1- الذرّة ليست أصغر أشكال المادة.

2- كل رجل أعزب ليس لديه زوجة.

الجملة الأولى تضيف معلومة جديدة إلى معرفتنا للعالم من حولنا، خصوصا عندما نعرف أن الاعتقاد المغلوط بأن الذرة هي أصغر أشكال المادة كان سائداً لقرون طويلة، لذا فإن هذه الجملة تتطلب إجراء تجربة للتحقق من مدى صحتها! لكن في المقابل، الجملة الثانية لا تضيف شيئا جديداً إلى معرفتنا للعالم من حولنا، فكلمة 'أعزب' تتضمن معنى أن يكون الرجل من دون زوجة، ولهذا السبب لسنا في حاجة إلى إجراء تجربة للتحقق من صحتها، بل يكفي أن نقوم بتحليل مفردات الجملة فقط!

على ضوء هذين المثالين، نستطيع الآن أن نجيب عن السؤال أعلاه على النحو التالي: لدينا ثقة مطلقة بصحة المعادلة الرياضية 1+1= 2 لأنها معادلة تشير إلى جملة 'قبلية' a priori و'تحليلية' analytic، فهي جملة 'قبلية' لأننا نستطيع التأكد من صحتها عن طريق العقل فقط ومن دون اللجوء إلى التجربة، وهي جملة 'تحليلية' لأنها صحيحة من خلال تحليل مفرداتها، مثل مفهوم العدد وعملية الجمع وعلاقة التساوي. يرى معظم الفلاسفة (باستثناء 'كانط') أن المعادلة 1+1= 2 تشير إلى جملة قبلية وتحليلية، وهي صحيحة دائماً، سواء في هذا العالم الذي نعيش فيه أو في أي عالم آخر، إذ من المستحيل منطقياً أن نتخيل وجود عالم تكون فيه 1+1= 2 غير صحيحة!